تقديم

تمثل الثقافة، وخصوصًا التي لها تجليات مقاومة، ضربًا من ضروب الذاكرة في مقابل النسيان، وبهذا الفهم تصبح الثقافة على قدر كبير من الأهمية؛ فالإنتاج الثقافي يتسم بقدرة كبيرة على التحليل، تقود إلى تخطي القوالب الجاهزة وتضطلع بمهمة تصحيح الأكاذيب الصادرة من السلطة ومساءلتها والبحث عن بدائل؛ فكل هذه الأمور تعدّ جزءًا من أسلحة المقاومة الثقافية‏[1]. ذلك بأن الثقافة تتألف من أنماط فكرية وقيم ومعتقدات شائعة بين مجموعة من الأفراد. وبالتالي، لا يهم حجم المجموعة سواءٌ كانت صغيرة أم كبيرة، وسواءٌ أكانت جزءًا من مجتمع معين أم كانت المجتمع بأكمله، أم حتى إذا كانت المجموعة مرتبطة بمجموعات أخرى خارج حدودها الوطنية؛ فالثقافة جزء لا يتجزأ من الحياة الكلية لمجموعة معيَّنة من الأفراد‏[2]. لذلك تكمن أهمية دراسة الإنتاج الثقافي في كونه يساعد على فهم الجماعات والمجتمعات، وكذلك على استيعاب ما يدور حولنا وفهم علاقات القوى ضمن جماعات ومجتمعات معيَّنة‏[3]، حيث يُنتج التمايز الاختلافات الثقافية، فكل تجمع في ظل وضع معيَّن، ينزع إلى الدفاع عن خصوصيته، ساعيًا، بمختلف الحيل المبتدعة، لأن يقنع، ولو نفسه، بأن نموذجه الثقافي أصيل ومخصوص به. والهدف، طبعًا، هو الرفع من قيمة المجموعة الثقافية على حساب مجموعة أخرى. وبخاصة أن الثقافات لا توجد بمعزل عن العلاقات الاجتماعية التي تكون، دومًا، علاقات غير متساوية. هكذا إذًا، ومنذ البدء، هناك تراتب فعلي بين الثقافات ينتج من التراتب الاجتماعي‏[4].

يشهد المغرب منذ بداية الألفية الثالثة، وبخاصة، بعد الانتفاضات ذات المثل الثورية، التي عرفتها المنطقة العربية عام 2011، إنتاجًا معرفيًا ثقافيًا غير مسبوق من ناحية طبيعة شكله ومحتواه، تقف وراءه فعاليات عرقية ومحلية، نتيجة تعرضها للقهر والإقصاء التاريخيين، من طرف «الدولة»، التي تتهم بأنها غلّبت لغة/ثقافة على لغة/ثقافة أخرى. وإن كان الواقع المعيش يُظهر أن التهميش لم يسلم منه الغالب ولا المغلوب. إلا أن هذه السرديات المتنافسة، التي تنكفئ تجاه ذاكرتها وتبلور تصورات وقيمًا؛ في جانب منها تُنتج الفرادة وتعرضُها في أبعادها الإنسانية الرائعة من ناحية، ومن ناحية أخرى، تنتج مُثل الإقصاء والعداء تجاه بقية المكونات التي تختلف عنها، وبذلك تسقط في خانة التطرف، وتسهم، من حيث تدري أو لا تدري، في إعادة إنتاج معاناة استهدفتها في مرحلة معيَّنة، لتستهدف بها غيرها، وبهذا تؤسس لإذكاء الصراع والفتن، ترتكز على واقع تاريخي حيث كان يُنظر إلى الثقافة واللغة الأمازيغيتين، وحتى العربية الحسانية، بنوع من الدونية، من طرف أصحاب الثقافة المهيمنة؛ ثقافة النخبة العربية الفاسية المتمدينة، المثقفة والعالمة، التي تقلدت مسؤولية إدارة جزء كبير من مفاصل الحكم والاقتصاد بعد استقلال المغرب. ذلك أن الدولة، على مستوى الامتداد العربي الإسلامي ككل، عبرت مدة، وربما لا تزال، عن مصالح عائلات وقبائل وجماعات على حساب غيرها وعلى حساب الأمة، وما القول بأنها تمثل المصلحة العامة سوى ضرب من التعمية والتسويغ‏[5].

بناءً على ما تقدم، تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على الإنتاج الثقافي في المغرب الراهن، من خلال الوقوف عند بعض الحالات الثقافية الأمازيغية التي لها أبعاد وطنية مثل المنظمة الجديدة للفنون الشعبية (تامينوت) وتنسيقية آيت غيغوش، والعربية مثل الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، أو تلك التي لها أبعاد محلية مثل تنسيقيات الأرض؛ سواء تلك الأمازيغية التي تنشط في سهل سوس الكبير، أو العربية التي تنشط في المناطق الصحراوية. وذلك من أجل رصد أشكالها وتفسير طبيعة سرديتها الثقافية وأفقها المقاوم، من طريق البحث في انعكاس رسالتها على الواقع المعيش، وخصوصًا تنسيقيات الأرض، التي تسعى المكونات المحلية، بواسطتها إلى استعادة مجالات واسعة وتحفيظها لمصلحة عناصرها القبلية.

هذا الصراع الذي تذكيه الذاكرة الجماعية؛ سواء المحلية أو العرقية (عربية أو أمازيغية)، يشكل بداية على المستوى الثقافي/البنية الفوقية، بعد الإسهام في بلورته من طرف نخب «معينة»، وينعكس راهنًا نحو القاعدة، من خلال السعي لاستعادة الأرض وجعلها ملكًا خاصًا لا عامًا، وهذا قد ينذر بتحولات خطرة، وبخاصة عندما يتجاوز الفرادة‏[6] في أبعادها الإنسانية، من زاوية حق الشعوب/الساكنة الأصلية في أرضها، إلى التعصب/الفتنة عندما يعادي الدولة بصورة أو بأخرى وبقية المكونات القبلية الأخرى، التي كانت يُحتفى بها تاريخيًا، بناء على محددات قبَلية وثقافية.

تنطلق هذه الدراسة من السؤال الإشكالي التالي: هل يمكن القول إن الإنتاج الثقافي في المغرب الراهن، من خلال الحالات السالفة الذكر، يعبر عن قيم الفرادة الإنسانية ويسعى إلى تكريس نوع من العدالة المجالية أم أنه، في إثر التحولات الناشئة في المنطقة ككل، مجرَّد نزوع ماضوي متطرف، يهدف إلى إعادة إنتاج تسلط جديد، من طريق إحياء النعرات القبلية؟ وبالتالي، كيف ولماذا تبلور هذا الإنتاج الثقافي «الخاص»، وما هي آفاقه المستقبلية؟

تفترض الدراسة أن حل هذه المعضلة الناشئة، يكمن في الإقدام على مصالحة شاملة، بين الذوات الثقافية واللغوية والمحلية كافة، بما يقود إلى دمقرطة البناء الفوقي وتحريره من التوظيف السياسي، من خلال إذكاء قيم المواطنة الجامعة.

ستحاول الورقة الاستئناس بمنهجية متعددة المداخل، منها: منهج دراسة الحالة‏[7] والمقترب البيوغرافي، والمنهج الوصفي التحليلي‏[8] والمنهج المقارن‏[9]، ثم تقييم نقدي لعينات البحث.

تتكون هذه الدراسة من ثلاثة عناصر أساسية: التعبيرات الثقافية الأمازيغية: بين الفرادة والتعصب؛ الائتلاف الوطني: رسالة نخبوية من أجل تفعيل اللغة العربية؛ عودة المحلي: من الحق في الثقافة إلى الحق في الأرض.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 554 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 554 نيسان/أبريل 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 554 في نيسان/أبريل 2025.

محمد الشيخ بانن: أستاذ محاضر مؤهل، وباحث في القانون العام
والعلوم السياسية، جامعة ابن زهر – المغرب.

سعاد الزروالي: أستاذة مساعدة في كلية الحقوق، جامعة ظفار، سلطنة عُمان.

[1] إدوارد سعيد، الثقافة والمقاومة، حاوره ديفيد بار ساميان؛ ترجمة علاء الدين أبو زينة (بيروت: دار الآداب، 2006)، ص 143.

[2] ديفيد أنغليز وجون هيوستون، مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة، ترجمة لما نصير؛ مراجعة فايز الصياغ (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 17.

[3] المصدر نفسه، ص 15.

[4] دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني؛ مراجعة الطاهر لبيب (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 119 – 120.

[5] حليم بركات، الاغتراب في الثقافة العربية: متاهات الإنسان بين الحلم والواقع (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص 101.

[6] الفرادة: هي خصوصيّة الإنسان – كلّ إنسان – المبنيّة على كرامته الأصيلة وحرّيّته، بما يميّزه من أيّ شخص آخر – قريبًا كان أم بعيدًا – بالشكل أو الفكر أو الرأي أو الأحاسيس أو التطلّعات. وتَضمن الفرادة عدم تلاشي الإنسان وإرادته في الجماعة التي ينتمي إليها، بل تُحقّق مشاركتَه إيّاها في ما لديه من خصوصيّة وإبداع. للاستزادة، انظر: دليل المدرب والمدربة على المواطنة الفاعلة والحاضنة للتنوع، إشراف نايلا طبارة (بيروت: مؤسسة أديان، 2019).

[7] إبراهيم ابراش، المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية (عمّان: دار الشروق، 2009)، ص 162.

[8] إبراهيم ابراش، البحث الاجتماعي، قضاياه، مناهجه، إجراءاته، الكتب؛ 10 (مراكش: منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 1994)، ص 111.

[9] Madeleine Grawitz, Méthodes des sciences sociales, coll Précis, 4ème éd. (Paris: Dalloz, 1979), p. 430.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز